الزركشي

64

البحر المحيط في أصول الفقه

ذكر عن ابن درستويه أن الواو وهي الأصل في هذه الثلاثة الواو والميم متقاربان في المخرج إذ الفاء من باطن الشفة والواو والميم من نفس الشفة فلذلك جعلت هذه الحروف الثلاثة تجمع ما بين الشيئين في اللفظ والمعنى وخصت بالاستعمال دون غيرها . ولما اختصت ثم بمعنى زائد على الفاء اختصت بالثاء المقاربة لمخرج الفاء لتدل على معنى ثالث ثم لا خلاف في اقتضائها التراخي وكلام ابن الخشاب يقتضي تخصيصه بالمفردات وأنه في عطف الجمل لا يكون كذلك كما سبق مثله في الترتيب . قال وقد يتجرد عن التراخي إذا كررت على التعظيم والتأكيد كقوله تعالى : وما أدراك ما يوم الدين ثم ما أدراك ما يوم الدين والمعطوف هنا هو لفظ المعطوف عليه وكقوله كلا سوف تعلمون ثم كلا سوف تعلمون الآيات . والمعطوفات كلها جمل فيها معنى التهديد والوعيد وأما قوله تعالى والذين يظاهرون من نسائهم ثم يعودون لما قالوا فقال القاضي أبو الطيب التراخي ظاهر فيه لأنه لا بد من تأخر العود عن الظهار بفصل وهو زمن إمكان الطلاق . وقد اختلف الحنفية في أثر التراخي فعند أبي حنيفة هو راجع إلى التكلم بمعنى الانقطاع المطلق بمنزلة ما لو سكت ثم استأنف قولا بعد الأول . وقال صاحباه راجع إلى الحكم مع الوصل في المتكلم لمراعاة معنى العطف فيه لأن الكلام منفصل حقيقة أو حسا فيكون في الحكم كذلك فإذا قال لغير المدخول بها أنت طالق ثم طالق ثم طالق إن دخلت الدار فعند أبي حنيفة لما كان في الحكم منقطعا وقع واحدة في الحال ويلغى الباقي لعدم المحل كما لو قال أنت طالق وسكت ثم قال أنت طالق إن دخلت الدار ولو كان كذلك لم يتعلق الطلاق بالشرط فكذا هنا وعندهما لما كان المتكلم متصلا حكما تعلقت جميعا بالشرط إلا أنه إذا وجد الشرط يقع واحدة عملا بالتراخي . المبحث الثالث إذا ثبت أنها للتراخي فلا دليل على مقداره من جهة اللفظ قاله ابن السمعاني وقاله غيره المراد بالتراخي الزماني فإنه حقيقة فيه فإن استعمل في تراخي الرتبة أو في تراخي الأخبار كان مجازا وقال ابن دقيق العيد ويمكن أن يقال إنها حقيقة في أمر مشترك بين هذه الأنواع أعني التراخي في الزمان والرتبة والأخبار .